صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
353
تفسير القرآن الكريم
وإطلاقه على الذوات النوريّة على سبيل التشكيك ، إذ لم يقم برهان على استحالة كون الذاتي مقولا على أفراده بالتشكيك ، وهكذا حقيقة النور لها مراتب متفاوتة في القوة والضعف ، والكمال والنقص ، وغاية كماله النور الإلهي - وهو النور الغني - ثمّ الأنوار العالية المنقسمة إلى العقلية والنفسية ، ثم الأنوار السافلة المنقسمة إلى الأنوار الكوكبية والعنصرية . والحقّ أن حقيقة « النور » و « الوجود » شيء واحد ، ووجود كل شيء هو ظهوره ، فعلى هذا يكون وجود الأجسام أيضا من مراتب النور ، لكن الإشراقيين زعموا أن الأجسام غير ظاهرة بذواتها ، بل بالنور المحسوس العارض ، ولعل السرّ فيه أن الموجود من الأجسام هو خصوصيات صورها النوعية ونفوسها وهيئاتها التي هي من باب الوجود والنوريّة ، دون موادها وكميّاتها ، التي هي كضلال ممدودة لا وجود لها - تأمل فيه وسيأتيك مزيد توضيح ، وتحقيق هذه المباحث يحتاج إلى مجال أوسع ولا يعلمها إلا البارعون في الحكمتين مع زوائد ألهمهم اللّه بها . فعلى هذه القواعد يكون معنى قوله : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بمنزلة معنى قولهم : « نور الأنوار » و « وجود الوجودات » لما علمت أن حقيقة كل شيء هو وجوده الذي هو نوريته ، ف « زيد » مثلا في الحقيقة هو وجوده الخاص ونور هويته الذي به يكون ظاهرا بذاته مظهرا لغيره . لا يقال : إنه كيف يكون النور الممكني ظاهرا بذاته ، مع أنه يحتاج في وجوده إلى موجد يفيد له الوجود والنورية ؟ لأنا نقول : على قاعدة الإشراقيين تكون الأنوار الجوهريّة والعرضيّة مجعولة بالجعل البسيط الإبداعي ، فالجاعل لا يجعل « النور » نورا - عندهم - ولا يفيد النورية لما ليس بحسب جوهره وذاته نور ، بل يفيد نفس الأنوار و